هشام جعيط
306
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
في مقابر البصرة « 1 » . لقد أقيمت هذه المقابر وسط الخطط القبلية معبرة بذلك في أعمق دخيلتها ، بفعل الدفن وأزليته ، عن الضمير الجماعي للقبيلة ومن انتسب إليها . وبدون الدخول في البحث في أنثروبولوجيات الموت ، الذي نزعم أنه يكتسي أهمية قصوى ، ففي الإمكان أن نفترض أن الجبانات بقيت مدة طويلة بدون أنصاب وأحجار على القبور « 2 » . وقد أوصى بعضهم مثل شريح ببناء لحد داخلي « 3 » ، لكن عدم ذكر اسم المدفون في الخارج هي القاعدة المعمول بها في أكثر الأحوال . علما أن اليمن عرف قديما أنصابا كانت تحمل كتابات منقوشة ( المساند ) . ولا شك أن المثال البدوي عاد متفوقا في هذا المجال ، بعد أن أضفى عليها الاسم طابعه القدسي : كان مثال التستر والزهد وعدم الاكتراث بالقبر بوصفه علامة مرئية . ولم تكن اللامبالاة تتجه إلى الميت الذي يتضرع الشاعر العربي إلى السماء يستعطفها ، راثيا إياه ، طالبا منها أن تجود عليه بمائها المنعش . كما أنها لم تتجه إلى الموت في حد ذاته وقد كان مبعث الفزع والألم في القرن الهجري الأول ، كما ورد بأقوال ابن سعد « 4 » ، ومنطلق مشاعر أخرى طبعا . لا شك أن أرض الجبانات كانت منبسطة « 5 » ، حتى تطأها أقدام البشر والخيل بالآلاف وتدور فيها معارك حامية دون ضيق واضح . وهكذا يصل بنا القول إلى أن الوظائف التي قامت بها هذه الأماكن كانت متعددة . كانت في البداية نقطة إشعاع ومركزية مجالية : فقد أشعت العشائر بقطائعها ضمن الخطة القبلية ، انطلاقا من جبانة مركزية ؛ ثم قامت بدور المقبرة ؛ والمقر للتجمعات ومركز العصب للحياة الاجتماعية عند القبيلة عندما تكتسي نبرة رسمية ؛ وأخيرا فقد كان لها دور عسكري بمعنى معين . لم يكن الجانب العسكري متوقعا في البداية قطعا ، إذ كانت الحشود التي تخرج إلى القتال من الكوفة كما من البصرة ، من الأسباع والأخماس ، تتجمع خارج المدينة في أمكنة تؤخذ من الصوافي كما
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 466 . ( 2 ) أبو داود ، السنن ، القاهرة 1935 ، ج 3 ، ص 216 ؛ وكيع . أخبار القضاة ، ج 3 ، ص 11 . ( 3 ) ابن سعد ج 6 ، ص 144 . كان الأمر كذلك عند إبراهيم النخعي الذي أوصى زيادة على ذلك ، ألا تصحب النار نعشه : المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 283 ، 302 . كان اللحد عبارة عن سرب من لبن ، يشيد تحت الأرض ولا بدّ أن ذلك لم يكن شائعا إلا قليلا . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 6 وج 7 ، في عدة مواضع . راجع أيضا تحية الأموات المنسوبة إلى علي عند الطبري ، ج 5 ، ص 61 - 62 . ( 5 ) روي أن عليا وجه من قبله صاحب الشرطة لتسوية القبور الناتئة وقد فعل ذلك في المدينة بأمر من الرسول : وكيع ، ج 3 ، ص 11 . يلتقي المثال البدوي بالتشدد الإسلامي في هذا المجال . ولنقارن ذلك بتعاليم محمد بن عبد الوهاب . وقد ظهرت أحجار القبور حوالي سنة 100 ه ، وجرى التشهير بهذه البدعة : ابن سعد ، ج 6 ، ص 302 .